همس اليراع.. الدولة الجنوبية لا ريب آتية

 

 

 

د. عيدروس نصر

اتصل بي زميل من إحدى الدول الكبرى منزعجاً وعندما سألته عن سبب انزعاجه قال لي: “أنا على اتصال ببعض صناع القرار في الدولة وقد أبلغني مسؤول كبير في إحدى الوزارات السيادية بأن بلاده ليست مع انفصال اليمن ولن تؤيد أي عمل يهدف إلى زعزعة أمن واستقرار ووحدة اليمن”.

 

 

قلت لصديقي وماذا يزعجك في ذلك؟ لقد قالوا هذا منذ 1994م، وقالوه عند انطلاق ثورة الحراك السلمي المجيدة، وقالوه قبل وبعد غزو 2015م، لكن الأمور كانت دائما تسير على الأرض باتجاه يخالف أقوال هؤلاء بما سيقنعهم ذات يوم بأنهم ليسوا دائما محقين في ما يصرحون أو يعتقدون به.

 

 

وقلت لصديقي: “إن هذه الدول تجهل الكثير من الحقائق التي تدور على الأرض، كما إن ما استمعته من صديقك المسؤول الكبير ليس جديدا فقد استمعنا إليه عشرات المرات من مسؤولين وسفراء وممثلين لكثير من البلدان، لكن هؤلاء ما إن يتعرفوا على الحقائق التي تجري في واقع الحياة حتى يبدأوا بطرح سيل التساؤلات، وأول تساؤل يطرحونه هو: ماذا عن المصالح الغربية في جنوب اليمن؟ (والمقصود بالمصالح الغربية) هو مصالح البلد الذي يتحدث ممثلوها، وبمعنى آخر إن الموقف السياسي لأي بلد، يتوقف على ما تنتظره من مصالح في ضوء ما ستقرره من موقف مع أو ضد هذه القضية أو تلك”.

 

 

بيد إن هناك أمراً مهماً ينساه الكثير من أهلنا الطيبين الذين يتفاءلون بصورة سريعة ويحبطون ويستسلمون للتشاؤم بصورة أسرع، هذا الأمر يتعلق بمتغيرات لم يعد من الممكن تجاوزها لأنها أصبحت كضوء الشمس الذي يرشد على المسالك ويضيء دروب السائرين عليها، ولا يمكن لأي كان أن يطفئ ضوء الشمس تحت أي سبب كان ولأي هدفٍ كان.

 

 

لم يقل أحد أن طريق الجنوبيين نحو استعادة دولتهم وبناء الجنوب الجديد مفروشٌ بالورود، فمشروع الدولة الجنوبية هو مشروع عظيم والمشاريع العظيمة لا تبنى بالتمنيات، وعندما يصطدم هذا المشروع العظيم مع مصالح النافذين والطفيليين المتحدثين باسم الوطن والوطنية، فإن العوائق تكون أكبر لكنها لن تقف حائلاً دون تحقيق إرادة الشعب.

 

 

المجتمع الدولي لا يرعى إلا أمرين: الأول يتعلق بمصالح هذا المجتمع ودوله المتحكمة في صناعة القرار الدولي، والثاني أهلية القائمين على هذا المشروع أو ذاك للوصول به إلى غاياته، والجنوبيون مؤهلون لهذا التحدي الكبير، ولقد أدركوا هذه الحقيقة ويأخذونها بعين الاعتبار وهم يواصلون طريقهم نحو الغد الجديد الذي يتطلعون إليه، وعلى جميع الأشقاء والأصدقاء أن يدركوا الحقائق التالية:

 

 

1. إن الجنوب الذي قدم الآلاف من الشهداء والجرحى خلال ثورته السلمية وصمد في وجه أعتى طغيان عرفه التاريخ اليمني ، وواجه الغزو الثاني ببطولة قل نظي رها ودحر الانقلابيين خلال ثلاثة أشهر فقط، لم يفعل كل هذا من أجل أن يستبدل طاغية بطاغية جديد، واستبداد قديم باستبداد جديد ومستبد بمستبد آخر .

 

 

2. لقد فشلت الوحدة الاندماجية وشبعت فشلاً ومحاولة إحيائها من جديد ليست سوى أشبه بعملية محاولة بعث الحياة في جسم من يعيش حالة الموت السريري وبعث الحياة فيه بعد أن توقفت دولته الدموية وجفت عروقه ولم يتبق له إلا أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.

 

 

3. إن مشروع اليمن الاتحادي الذي يتغنى به العاجزون ومطبلوهم قد سبب لليمن كل ما وصلت إليه من كوارث وحروب ودمار ومجاعة وقابلة كلية للانهيار والإصرار عليه يشبه إصرار ذلك المغامر الذي يأبى الاعتبار ممن سبقوه في محاولة الوقوف في طريق السيل الجارف، ويصر على السير بالاتجاه المعاكس لهذا السير.

 

 

4. إن الحديث عن أمن واستقرار اليمن ووحدته، هو حديث عن معاني جميلة لا وجود لها إلا في عالم الفانتازيا والخطابة الدعائية، وما يجب أن يعلمه القصاة (لأن الدناة يعلمونه جيداً) هو أن اليمن منذ العام 1990م لم تشهد لا أمناً ولا استقراراً ولا حتى وحدةً، ولسنا بحاجة إلى استعراض تفاصيل هذا الثالوث الزائف، فالوقائع المشهودة كل يوم تقول غير ما يقول به شعراء (الأمن والاستقرار والوحدة).

 

 

5.أما الحديث عن المصالح فإن المصالح المشتركة بين الجنوب والشركاء الإقليميين والدوليين لن تكون إلا محل احترام وتقدير، والجنوب مثل أي بلد لن ينمو ولن يزدهر ولن يستقر إلا في ظل تعاون إقليمي ودولي يرعى مصالح الطرفين، ونحن الأحوج إلى العمل المشترك مع شركائنا الإقليميين والدوليين، لكننا لن نعدهم بأن نبيع لهم المتر المكعب من الغاز المسال بثلاثة دولارات (مثلا) ولن نشتغل معهم في الظلام بل سنعمل في العلن وفي وضح النهار وسنحترم قوانين بلدانهم وسنقتدي بها في صناعة واحترام المصالح المشتركة، ولا أخال أن هذا سيغضبهم.

 

 

ومن كل هذه الحقائق فإن استعادة الدولتين الجارتين في شمال اليمن وجنوبه، هي قضية حتمية قد تستغرق بعض الوقت لكنها أمر لم يعد قابلا للتجاهل أو التضليل أو المخادعة، وهي مصلحة شمالية وجنوبية وإقليمية ودولية معا، وعكس ذلك فإن من يعتقد بأن نتائج حرب 1994م هي الحالة المثلى لعلاقة الشعبين ببعضهما كمن يعتقد أن علاج الأوبئة والآفات لن يتم إلا بـ”القطرنة” في عصر التشخيص بالرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية وجراحة المناظير وزراعة الخلايا الجذعية.

 

 

*من صفحة الكاتب على الفيس بوك.

شاهد أيضاً

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: