هدى.. مذيعة تشق طريق حلم الإعلام “كفيفة”

يافع نيوز –  الأناضول:
لم تكن “هدى عمر المقدي”، 26 عاما، تعلم وهي تمارس خربشات الطفولة الأولى، أنها تعاني من “فقدان البصر”، ولم يخطر ببالها وهي تلهو وتلعب مع أقرانها من أبناء الحي الذي تقطنه بمدينة الديس الشرقية محافظة حضرموت “جنوب شرق اليمن”، أنها مختلفة عن باقي البشر، رغم العثرات التي كانت تقع فيها وتحاصر حركتها.
لكنها وبإصرار كبير وعزيمة لا تلين، تغلبت على محنتها فجعلت من المحنة “منحة” ومن المصيبة فرصة وفائدة، حين رمت كل محبطات الواقع، “خلف ظهرها”، وتقدمت للأمام، فاتحة نورا أخر للحياة، ونافذة جديدة تستنشق منها عبير الأمل وأنسام النجاح.
تقول “هدى المقدي”، وهي تتحدث للأناضول، ( قدر الله لي أن ألد “كفيفة”، لا أرى إلا “السواد” ولا أعرف عن الأشياء إلا ما أسمعه عنها).
وتضيف: كنت أعتقد أن كل البشر مثلي، وألا فرق بيني وبين من هم حولي، لكنني ومع مرور الأيام والسنوات أدركت أن شئيا ما يفصلني عنهم.
كان لهو الأطفال وعبثهم وضحكاتهم، يثير في نفسها الصغيرة البريئة، العديد من التساؤلات والكثير من علامات التعجب والاستغراب.
إذ لم يقوَ (والداها) على مصارحتها بإعاقتها، حبهم لها وإشفاقهم البالغ عليها مما قد يمس قلبها الصغير من جرح وألم إن هي علمت بحالها وهي ابنتهم الوحيدة المدللة، منعهم من إخبارها الحقيقة.
حاولا كثيراً الذهاب بها إلى الدكاترة والمختصين في طب العيون ولكن دون فائدة تذكر، وأجريت لها ثلاث عمليات جراحية في اليمن والأردن، وهي لا تعلم لماذا يتم ذلك .
تقول (هدى)، أخفى عني والداي أمر “إعاقتي”، لكن سقوطي الدائم، وارتطامي بجدران منزلي كلما هممت بالمشي، دفعني لسؤال “أمي” عما يجري لي، ولماذا يحصل هذا معي دون غيري !؟
وذات يوم وبعد أن بلغتُ من العمر  “7” سنوات، أخبرتني أمي أنني “كفيفة”، وأنني فاقدة لنعمة البصر، وأن الناس يرون ما لا أراه.
كم صدمني الخبر”، تتساءل هدى وتتابع: “سال الدمع من عيني وانخرطت في نوبة بكاء طويلة، بكيت نفسي وعينيّ المطفئتين كثيرا”، هكذا تتذكر هدى خبر معرفتها بإعاقتها لأول مرة
تقول ( كان يوما عصيبا، لا زالت ذكراه لم تبارح مخيلتي، رغم تقادم السنين، أتذكر احتضان “أمي” لي ودموعها المتساقطة على جسدي الغض الضعيف، وهي تحاول عبثا التخفيف من وقع الصدمة علي).
وتمضي، (أورثني هذا الخبر حسرات لا متناهية وقابلية شديدة للبكاء، وقد كنت يومها طفلة تبحث عن اللهو والمتعة ككل الأطفال، ولم أدرك حينها أن هذا ابتلاء من الله، وامتحان لي في دنياي قبل الآخرة).
دفعة للأمام
تقول هدى: سُلبت نعمة (البصر)، ولكن الله منحني نعمة (البصيرة)، ومن هذا المنطلق طلبت من والدي أن يأخذني للمدرسة، كان أمر مفاجئا للجميع.
وتضيف (وافق والدي على الفور، بينما وضعت أمي العديد من المخاوف، كيف ستتعلم وهي لا تري، كيف ستفهم وتقرأ وهي فاقدة للبصر، وهلم جرا).
وتابعت، (جعلت من مخاوف أمي وترددها مساحة “انطلاق” نحو ما أردت تحقيقه).
صعوبات جمّة
تقول هدى: “سُلبت نعمة البصر، ولكن الله منحني البصيرة، وفاجأتُ الجميع بقراري الذهاب إلى المدرسة”.
وتابعت: “جعلت من مخاوف أمي وترددها مساحة انطلاق نحو ما أردت تحقيقه”.
لم يكن دخول هدى المدرسة ووجودها برفقة زملائها المبصرين أمرا سهلا ويسيرا، إذ عانت الكثير في مشوارها نحو رسم مستقبلها.
وتقول: “واجهت صعوبات جمّة في أيامي الأولى للمدرسة، وكان وجودي بين مجموعة طلاب كلهم مبصرين أمرا غير اعتيادي”.
وتشير إلى أن عزوفها عن الالتحاق بمدرسة خاصة للمكفوفين لعدم علمها بالأمر بداية، لكنها التحقت بها بعد سنوات من الدراسة دون أن تكمل فيها، وفضّلت العودة للمدرسة العادية.
وعن معاناتها داخل الفصل: “أزعجني نفور الطلاب مني وتركي وحيدة أحيانا، لكن سرعان ما تغلبت على تلك المعضلة ببذل جهود مضاعفة في الدراسة حتى استطعت كسب احترام الجميع”.
وتوضح ذلك بالقول: “كان استماعي لشرح المعلم أو المعلمة ومراجعة الوالدة لدي في المنزل كافيان لفهم الدروس وحفظها دون الحاجة إلى الكتابة والتدوين”.
وتضيف: “كانت تجرى لي الامتحانات عن طريق قراءة السؤال والإجابة (نطقا)، بمساعدة شخص آخر”.
وهكذا انتقلت هدى من مرحلة دراسية إلى أخرى، حتى وصلت الثانوية العامة ثم الجامعة، لكن “تعاطف المعلمين وزملائي الطلاب كان يستفزني إلى درجة الغضب”.
وتضيف: “مثل هذا الشعور يكرس في عقلي ونفسي الشعور بالنقص الذي لا أعترف به”.
اغتنام الفرصة
لم يتوقف طموح هدى عند أخذ شهادة الثانوية العامة، فسعت للوصول إلى أعلى المراتب، وارتقاء ذرى النجاح في مجال ربما عجز المئات من المبصرين عنه.
تقول: “فور إكمال دراستي الثانوية التحقت بكلية الإعلام بجامعة حضرموت، لتحقيق حلم سعيت لأجله كثيرا، وهو أن أكون مذيعة ومقدمة (برامج)، لا سيما فيما يتصل منها بعالم المعاقين”.
“لطالما حلمت بأن أكون إعلامية، كوني أمتلك صوتا جميلا كنت أدندنُ به في ساعات الفراغ، ولغة سليمة تساعدني على الإلقاء والخطابة”، هكذا وصفت مهاراتها.
سنحت لها الفرصة أن تقف مرات كثيرة أمام الطالبات في المدرسة؛ لإلقاء المواعظ التي تدعو للأخلاق وتحث على الدراسة.
وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهتها على غرار كثافة المقررات وكتابة الملاحظات خلال المحاضرات، فإن حبّها ومساعدة أساتذتها ساعداها في تجاوز الأمر.
فرحة طاغية
تقول هدى، كانت فرحتي بالنجاح في الثانوية أولا، ومن ثم الجامعة، لا تضاهيها فرحة وسعادتي وسعادة أهلي بتفوقي تملأ مسامات روحي، إذ لم يكن النجاح والتفوق لفتاة كفيفة، وسط مجتمع كله من المبصرين بالأمر الهين اليسير.
وكم كانت سعادتي كبيرة حين أتيحت لي فرصة العمل في إذاعة (سلامتك)، غير حكومية، بعاصمة حضرموت المكلا، فقدمت خلالها برنامج (أنا وإعاقتي)، تناولت فيه الكثير من القضايا المتعلقة بالمعاقين واستضفت فيه شخصيات مجتمعية مختلفة، مدة “50” حلقة.
حياة هدى لا تخلو من الدعابة والمرح، فهي بروحها الحلوة العذبة تضفي جوا من البهجة والسعادة فيما حولها.
تقول: ( أثناء الرحلات أو الجلسات العائلية وفي المناسبات أخذ تلفوني “الأيفون” وأطلب من الجميع الوقوف أمامي لالتقاط صورة تذكارية).
وتضيف ضاحكة: (لا يهمني كيف تطلع الصورة مقصوصة أو مبتورة، المهم أنني ألتقط الصور وسط قهقهات صديقاتي).
ولتحقيق التواصل مع الآخرين، تستخدم هدى هاتفها المحمول وبرامج التواصل الاجتماعي “واتس آب” و”ماسنجر “، عبر تقنية الناطق الصوتي (voiceover).
وغاية آمالها، في ختام حديثها، مواصلة دراستها حتى تنال الدكتوراه. “لتثبت للناس أن الإعاقة لن تكون عائقا عن تحقيق الأحلام والأمنيات”

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: