هم ثلاثة إخوة .. !- كتب: جلال السعيدي

مع كل هذا الكم الرهيب من أشتات العناء والهموم وضيق العيش، ثمة من يأبى الاستسلام كيفما كان هذا الواقع، فيسير منفردا في سبيل ظنه آخرون ضربا من الرهان الخاسر، غير أن الصمود وإن جهلنا سلاح لا يقبل المضي فيه الا من كان هو التحدي بذاته .
أن المتاعب الملقاة على عاتقنا اليوم لم تعد تجعل الحياة أمرا معقدا فحسب، بل أنها تفرض علينا جميعا واقع القبول بمرارة العيش على أنقاض الحياة، الكثير منا استسلم ورضخ لهذا الأمر ولا ملامة، والقليل القليل هم أؤلئك الذين لا يعرف اليأس الى إصرارهم سبيل.

قبيل أيام قلائل من سرد تفاصيل “الحكاية” قيل لي أن ثلاثة “أشبال” من أبناء محافظة عدن مديرية التواهي اقتحموا عالم رياضة “التايكواندو” هذه الأيام فأبهروا المتتبعين في عرض فنونها القتالية البديعة بمهارات عالية الإتقان والحرفية، على الرغم من حداثة سنهم.
أدهشني ذلك ! وكان الأمر مثيرا لفضولي …
لم لم أر هذا بعيني ؟!
لم لم أتحقق وأكتب وأنشر ؟
هكذا كنت أحدث نفسي …
حسمت الأمر أخير وأجلت بعض مهامي وشرعت في رحلة أفضت بي تماما الى جوار برج “ليتل بن” برج الساعة على رأس جبل “كريسنت” بمديرية التواهي حيث يقطنوا مع والدهم المبعد قسرا من السلك العسكري للقوات المسلحة اليمنية في منزل متواضع استأجره بعيد تحرير العاصمة عدن.

النزوح الى المهرة :
شكلت قصة النزوح الى المهرة تحولا دراماتيكيا عجيبا في حياة الأطفال عدي وعمرو وابراهيم محمد حنش الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و14و 9 أعوام تواليا، حيث وجد والدهم أن ضرورة تناسي محنة النزوح وآثارها المؤلمة وفراق الحبيبة “عدن” تكمن في الترويح عنهم في ممارسة الرياضة بشكل منتظم، وذلك في غمرة الحرب الظالمة على مدينتنا في العام 2015، فما كان منه الا أن أخذهم الى “نادي خيبل” في الغيضة، ليكتشف الوالد بعد أيام من برنامج التمارين تحت اشراف الكابين “جميل فؤاد” مدرب “نادي خيبل” أن لدى أولاده مواهب عظيمة تؤلهم لخوض غمار رياضة التايكواندو، وقد خضعوا لدورات مكثفة استمرت لمدة عام كامل، وتكللت جهودهم بنيل كل من عدي وعمرو الميدالية الذهبية في وزن 32 و26 على مستوى بطولة أندية المهرة، فيما نال إبراهيم ميدالية أفضل لاعب بالروح القتالية على مستوى الاندية المشاركة في بطولة المحافظة، وأخير أنهوا مشاركتهم في نادي خيبل بالمهرة بشكل مشرف حيث حصلوا جميعهم على الحزام الأزرق .

العودة الى عدن

بعد سنة كاملة قضاها الأبطال الصغار في ربوع محافظة المهرة، كانت رحلة العودة إلى عناق دفء مدينة عدن التي غادروها كرها وإجبارا قد حانت، فودعوا المهرة التي ما زالوا يدينون لها بالفضل في صقل مواهبهم المكتنزة ويحتفظون لها بالوفاء والعرفان.
وهنا حطوا الرحال في نادي شمسان الرياضي وكان الكابتن “محمد نصر” هو من تكرم بالإشراف على تدريب هؤلاء الأشبال بعد أن التحقوا بالنادي العريق
وقد كان لهم الشرف في تمثيل منتخب عدن للناشئين في بطولة النخبة للمحافظات الجنوبية وحصلوا على مراتب متقدمة بالبطولة التي حصدوا فيها ميداليات فضية وبرونزية على الرغم من الكفاءة وجودة الأداء الذي يميزهم عن الآخرين.
بالإضافة الى المشاركة في عدة بطولات داخلية في أطار محافظة عدن أيضا
الأمر الذي مكنهم من حيازة الحزام الأحمر
وبعد ذلك بستة أشهر حازوا فيها على نيل الحزام الأسود على السواء.

بطولات خارجية
رشحوا لعدة بطولات خارجية وآخرها البطولة العالمية للتايكواندو التي أقيمت في الفجيرة بدولة الامارات العربية المتحدة، بيد أنه لم تتسنى لهم المشاركة في البطولات الخارجية لأسباب عدة تتعلق بصعوبة إجراءات السفر وتكاليفه.

مدرسة النمور الكورية للتايكواندو بدورها أبدت رغبتها في انتداب الإخوة عدي وعمرو وإبراهيم لمدة ستة أشهر كاملة، وهي المدرسة الأم في كوريا الجنوبية ولها فرع في جمهورية مصر العربية ودول عربية أخرى، غير أن غياب الدعم وإيلاء الإهتمام بالشأن الرياضي في بلادنا يظل دائما وأبدا هو العائق الحقيقي أمام طموح وتطلعات المواهب المحلية على مدى الأزمان.
حاليا باتوا منخرطين في نادي الميناء الرياضي الذي انضموا له بعد نادي شمسان قبل حوالي عام من الآن، ومازلوا ممثلين أساسيين في نادي الميناء تحت إشراف المدرب المميز عدلي محمد عبدالله غانم.

هذا نموذج بسيط من الطاقات الكامنة والإمكانيات البشرية الفريدة التي تتمتع بها مدينتنا لتثبت ببساطة شديدة أنها منبع القدرات وملتقى الحضارات ومهد صناعة الإبداع الإنساني النبيل، مهما بلغ حجم التحديات !.

تقرير / جلال السعيدي

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: